الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
186
تفسير روح البيان
الغاية القصوى من الرشد والصدق . والرشد هو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا وهو انما يكون بالعقل التام أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك قد سبق في القصة المقدمة سرّ جمع الرسالات ومعنى النصح والفرق بين تبليغ الرسالة وتقرير النصيحة وفي قوله وانا لكم ناصح أمين تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين لان الجملة الحالية انما يؤتى بها لبيان هيئة ذي الحال والشيء لا يوصف الا بما يعلم المخاطب اتصافه به أو لأن في جعل ذكر متعلق النصح والأمانة من قبل المهجور دلالة على أنه أوحدي فيه موجد للحقيقتين كأنه صناعته أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ اى استبعدتم وعجبتم من أن جاءكم وحي من مالك أموركم ومربيكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ اى على لسان رجل من جنسكم لِيُنْذِرَكُمْ ويحذركم عاقبة ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي فمن فرط الجهالة وغاية الغباوة عجبوا من كون رجل رسولا ولم يتعجبوا من كون الصنم شريكا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ شروع في بيان ترتيب احكام النصح والأمانة والانذار وتفصيلها وإذ منصوب باذكروا على المفعولية دون الظرفية اى اذكروا وقت استخلافكم قال صاحب الفرائد يشكل هذا بقولهم إذ وإذا وقوعهما ظرفين لازم وأجيب بان باب الاتساع واسع قال المولى أبو السعود ولعله معطوف على مقدر كأن قيل لا تعجبوا من ذلك وتدبروا في أموركم واذكروا وقت جعله تعالى إياكم خلفاء مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ اى في مساكنهم أو في الأرض بان جعلكم ملوكا فان شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شحر عمان قال في التأويلات النجمية جعل اللّه الخلق بعضهم خلفاء عن بعض وجعل الكل خلفاء في الأرض ولا يفنى جنسا منهم الا أقام قوما خلفاء عنهم من ذلك الجنس فأهل الغفلة إذا انقرضوا اخلف عنهم قوما وأهل الوصلة إذا انقرضوا ودرجوا اخلف عنهم قوما وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ اى في الإبداع والتصوير بالفارسي [ وبيفزود شما ] أو في الناس بَصْطَةً قامة وقوة فإنه لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الاجرام كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة الصغير ستين ذراعا قال وهب كان رأس أحدهم كالقبة العظيمة وكان عين أحدهم يفرخ فيها السباع وكذلك مناخرهم والإشارة كما أن اللّه تعالى زاد قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق زاد قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق فكما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني قال الفرزدق وقد تلتقى الأسماء في الناس والكنى * كثيرا ولكن فرقوا في الخلائق جمع الخليقة وهي الطبيعة وفي هذا المعنى قال الخاقاني نى همه يك رنك دارد در نيستانها وليك * از يكى نى قند خيزد وز دگر نى بوريا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ جمع إلى بمعنى النعمة وهو تعميم بعد تخصيص لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي يؤديكم ذلك اى ذكر النعم إلى الشكر المؤدى إلى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب ولما لم يبق للقوم جواب الا التمسك بالتقليد قالُوا مجيبين عن تلك النصائح الجليلة أَ جِئْتَنا يا هود لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ اى لنخصه بالعبادة وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا